في هذا الزمن الذي أصبحت فيه قيمة المرء تقاس بإنجازاته، لا بمشاعره، وهذه الإنجازات تتمثل في المناصب، المكانة الاجتماعية، والوفرة المالية وغيرها. لذلك أصبحت الطمأنينة نوعاً من أنواع الترف النادر، ولم تعد حقاً مشروعاً طبيعياً لا بد منه. لقد أصبحنا اليوم نركض كثيرًا حتى ننجز أكثر، ونعمل بأكبر قدر من الجهد حتى نتقدم أكثر ونتطور أسرع، لكننا للأسف غفلنا كثيرًا عن أبسط احتياجاتنا الإنسانية كأن نشعر بالسكينة والراحة.
لم يعد فقدان الطمأنينة مرتبط بفرد واحد وحالة معينة وظروف عابرة سريعة، وإنما أصبح شعورًا عاماً يسيطر على نفوس الكثيرين من الناس في تفاصيل حياتهم اليومية والاعتيادية. فالإيقاع المتسارع للحياة وتزايد وتيرة الضغوطات المهنية والإجتماعية خلقا نوعاً من الاستعجال الدائم لدى المرء، حتى أصبح الهدوء موضع شك، ولم يعد مساحة للاستقرار، وقد يفسر التمهل على أنه تراجع للوراء لا سكينة، كما يُنظر للرضا مع الأسف كأنه غياب للطموحات والتقدم والشغف. وتضاف إلى ذلك المقارنات اليومية الدائمة والتي تشاع بشكل كبير في المجتمعات المهنية والاجتماعية الحالية؛ حيث تنتشر بشكل واسع على منصات التواصل الاجتماعي بكل أشكالها، فقد أصبح النجاح يُقاس بما يُعرض وينجز لا بما يُعاش ويُشعر به، حتى صار الإنسان اليوم مشغولاً بمحاولات اللحاق بالصور النمطية والمثالية التي يشاهدها في الواقع والمواقع على حساب سكينته الداخلية. ومع مرور الوقت تتحول هذه الطمأنينة من شعور طبيعي لا بد من عيشه، إلى حالة نادرة تؤجل باستمرار تحت ذريعة ( حين ينتهي كل شيء ).
غير أن الإشكال هنا، لا يقف عند غياب الطمأنينة فحسب، إنما يتعدى إلى نظرتنا الشخصية لها. فمتى تحولت هذه السكينة من حاجة إنسانية مهمة وضرورية إلى تهمة إجتماعية تُلصق بمن يفضل الهدوء على ضجيج الحياة المستمر؟ في مجتمعات باتت تقدس الإنجازات المستمرة والمتواصلة، لم يعد للهدوء مكان آمن يركن إليه. فالمطمئن مطالب دائمًا بتبرير سر تلك السكينة وذلك الهدوء، وكأن الراحة النفسية تنتقص من الطموح وتتنافى بوضوح مع جدية الموقف. حينها أصبح الإنشغال الدائم بمثابة معيار للنجاح، وكل من يخرج عن هذا الإيقاع وهذا النمط يُنظر إليه نظرة شكٍ وريبة، لا لشيء خارجٍ عن المألوف وإنما لأنه اختار أن يوازن طريقة حياته بين الراحة والجهد.
لكن هذا المفهوم الخاطئ لا يغير حقيقة أن الطمأنينة ليست نقيضاً للطموح أبدًا، بل أحد شروطه الأساسية.
وسط ضجيج هذه الحياة ومجرياتها، تبقى الطمأنينة عمودًا أساسياً تقوم عليه صحة الإنسان النفسية، وحاجة إنسانية لا يمكن للمرء الاستغناء عنها. فهي ليست دائمًا دليلاً على الكسل بل شرطاً لصحة العقل والجسم، ولجودة القرارات -التي يصنعها المرء أو يتخذها- ،وعمق علاقاته الإنسانية والاجتماعية. فالإنسان الذي يفتقد تلك السكينة، سيظل قلقاً ومرهقاً على الدوام، حتى وإن حقق أهدافه سيبقى عاجزاً عن الاستمتاع بما أنجز وقدّم وحقّق. ومن لا يمنح نفسه حق السكينة سيقضي كل عمره ناجحاً في نظر الآخرين، لكنه متعباً في داخله. يقول الدكتور علي الطنطاوي : "الوسادة تحمل رأس الغني والفقير، الصغير والكبير، الحارس والأمير، لكن لا ينام بعمق إلا مرتاح الضمير".
ومن هنا أصبح البحث عن الطمأنينة والراحة التزاماً تجاه الذات الإنسانية ومسؤولية اجتماعية تجاه من حولنا؛ لأنها الأساس الذي يُبنى عليه كل نجاح حقيقي.
واﻟﺳؤال هنا: كيف نعيد الطمأنينة إلى قلوبنا اﻟﻘﻠﻘﺔ؟
أوﻻً، لابد من الخوض في داخل النفس، إلى لحظات الصمت والهدوء التي نعيشها مع أنفسنا؛ لنفكر فيما هو مهم حقاً حتى نحرر أنفسنا من سباق الحياة المُرهق، فالتأمل في ما أنجزناه يفتح نافذة للسكينة لا تغلق أبداً.
ثانيًا، ذكر الله والتقرب منه يمنح القلب طمأنينته وسكينته، فقد قال الله تعالى في محكم كتابه : (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) سورة الرعد ٢٨ . ففي حضور الذكر تهدأ النفس ويسكن القلب، ويستعيد المرء طمأنينته الداخلية.
ثالثًا، منح النفس لحظات من الهدوء والسكينة كأن يقرأ المرء كتابًا أو يشرب فنجانًا من القهوة في هدوء واسترخاء. لحظات بسيطة كهذه كافية لأن يستعيد الإنسان ترتيب عثراته.
وأخيرًا الاعتناء الدائم بالجسد كما الروح والعقل والنفس؛ لأن كل منهم مرتبط بالآخر بطريقة أو بأخرى. والإنسان المتوازن جسدياً ونفسياً سيصبح قادرًا على مواجهة التحديات بهدوء وثقة لأن قلبه مطمئن وراحته متجددة.
وعليه فإن الطمأنينة لا تعد خياراً ولا ترفاً أو رفاهية، بل ضرورة من الضروريات الأساسية، ومن يدرك ذلك سيجد القوة في هدوئه وسكينته، فيصبح قادراً على مواجهة تحديات الحياة حين تكون نفسه مطمئنة.


